ابن الجوزي

107

صيد الخاطر

الصوم والصلاة والحج والغزو ، وكم من معرض عن العلم يخوض في عذاب من الهوى في تعبده ، ويضيع كثيرا من الفرض بالنفل ، ويشتغل بما يزعمه الأفضل عن الواجب ، ولو كانت عنده شعلة من نور العلم لاهتدى ، فتأمل ما ذكرت لك ترشد إن شاء اللّه تعالى . 59 - وجوب تعليل النفس لتصبر على ما حملت مرّ بي حمالان تحت جذع ثقيل وهما يتجاوبان بانشاد التنغم ، وكلمات الاستراحة ، فأحدهما يصغي إلى ما يقوله الآخر ، ثم يعيده أو يجيبه بمثله ، والآخر همته مثل ذلك ، فرأيت أنهما لو لم يفعلا هذا زادت المشقة عليهما ، وثقل الأمر ، وكلما فعلا هذا هان الأمر ، فتأملت السبب في ذلك ، فإذا به تعليق فكر كل واحد منهما بما يقوله الآخر ، وطربه به ، وإجالة فكره في الجواب بمثل ذلك ، فينقطع الطريق ، وينسى ثقل المحمول ، فأخذت من هذا إشارة عجيبة ، ورأيت الانسان قد حمل من التكليف أمورا صعبة ، ومن أثقل ما حمل مداراة نفسه ، وتكليفها الصبر عما تحب ، وعلى ما تكره ، فرأيت الصواب قطع طريق الصبر بالتسلية والتلطف للنفس ، كما قال الشاعر : فان تشكت فعللها المجزة من * ضوء الصباح وعدها بالرواح ضحى ومن هذا يحكى أن بشرا الحافي رحمة اللّه عليه سار ومعه رجل في طريق فعطش صاحبه فقال له : أنشرب من هذا البئر ؟ فقال بشر : اصبر إلى البئر الأخرى ، فلما وصلا إليها ، قال له : البئر الأخرى . فما زال يعلله . ثم التفت اليه فقال له : هكذا تنقطع الدنيا . ومن فهم هذا الأصل علل النفس وتلطف بها ووعدها الجميل لتصبر على ما قد حملت ، كما كان بعض السلف يقول لنفسه : واللّه ما أريد بمنعك من هذا الذي تحبين إلا الاشفاق عليك . وقال أبو يزيد رحمة اللّه عليه : ما زلت أسوق نفسي إلى اللّه تعالى وهي تبكي ، حتى سقتها وهي تضحك ، واعلم أن مداراة النفس والتلطف بها لازم ، وبذلك ينقطع الطريق فهذا رمز إلى الإشارة . وشرحه يطول .